أذهلها ردّه..
شعرت بأن الأرض تدور من تحتها، لم تعد ترى إلاّ غمامًا... مدّت
ذراعيها على طولهما علّها تجد ما تتكئ عليه! لم تجد، غرست ركبتيها في رمال الصحراء
واتكأت على كفيها غير شاعرة بحرّ التراب
الذي الهبته شمس الصحراء.
"أصبري!"
هذا كل ما استطاع "فارسها" المغوار أن يقوله لها! كانت
تتصوّر ردود فعله عندما تخبره أنها تتعرض لمضايقات من شيخ القبيلة الذي يريدها
زوجةً رابعة! كان ابسط ردّ تصوّرته هو ان يتوجّه إلى الشيخ ليشرح له الموقف ويبيّن له انها خطيبته!
ناهيك عن الردود الأكثر رجولة وعنفوانا!
يطالبها بالصبر، والتخلّي عن حبّه، والارتماء في حضن الشيخ. ابلغ به الجُبن
هذا المبلغ؟!
"نصبروا يا عيني...
يا عيني ولا تعاندي مولاي ...
ولا تشقّيني"*
رفعت رأسها، رأت وجهه عابسا، أحقّا هذا الوجه الذي طالما عانقته؟ أهذا
هو الوجه الذي لم تشعر بالاطمئنان الا برؤيته! إنه يرعبها الآن، يشعرها برغبة
عارمة في التقيؤ، إنها تود أن تبصق فيه.
لقد فعلت من أجله كل شيء يمكن
فعله. ليرد لها الجميل بمنتهى الجبن ! "أصبري هو قضاؤنا"...
تحاملت، بصعوبة تمكنت من الوقوف، أدارت له ظهرها، وسارت متمايلة،
متهالكة، باتجاه مضارب القبيلة. لا تدري ما القضاء الذي ينتظرها هناك!
ولما ابتعدت التفتت إلى الخلف، كان واقفا كما هو، تمثال من رخام
يستقرّ وسط الصحراء، عاجز كآلهة قريش..
ردّدت:
" نصبروا يا عيني...
يا عيني ولا تعاندي مولاي ...
ولا تشقّيني واجب علينا"
وتابعت مسيرها حتى اختفت وسط الخيام!
----
* الاشعار من التراث الليبي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق