الأربعاء، 9 نوفمبر 2011

رايحين مشوار

كئيبة هي تلك السيّارة، رائحة عطِنة تهاجمك عند فتح بابها، كان يجلس في مقعد خلفي، مقطّب الجبين، عابس القسمات، ينظر بعينين فارغتين إلى الطريق عبر النافذة الأمامية، طريق رمليّة، مليئة بالكثبان، والشقوق... يتمايل جسده كأنه في نشوة طرب، إلا ان التمايل لم يكن بفعل أغنية... رغم كل هذا فالسيارة لم تكتفِ بهذا البؤس بل زادته باضوضاء وصوت لابمحرّك الذي تسمعه وكأن المحرك أخرج من مكانه ووُضع بالداخل مع الركّاب البائسين..
السائق، الذي اعتاد هذه الرحلة، لا تبدو عليه إمارات حزن أو بؤس، هو فقط يراقب الطريق ويعالج ذراع السرعة، وبين الفينة والأخرى يراقب الأفق، خوفا من جنود قد يتواجدون هناك!
- "واسألها انت وحلفها، على طول حتئولّك هيَّ"
ينطلق صوت فايزة احمد بائساً متذبذا، عبر المذياع شبه المهترئ، يحاول اختراق جدران الضجيج والوصول إلى آذان راكبي السيّارة البائسين... يقرافق الأغنية ازيز المذياع المزعج، واحيانا يقاطعه صوت أجهزة اتصالات أو اذاعات أخرى...
الحرّ خانق داخل السيّارة... والراكبون متراصّون، تختلط رائحة عرقهم برائحة الغبار المتسرّب إلى الداخل من الفتحات التي لا تخلوا منها السيّارة! لو فتحوا النوافذ سعيا وراء تلطيف الجوّ ستجتاحهم عواصف الرمال التي تطارد السيارة، وتتراقص حولها... ما زالت الطريق في بدايتها، والبؤس سيّد الموقف...
راح يتأمل الوجوه حوله، لا يعرف احدًا.. احدهم يعض على سبّابته جاحظ العينين ينحني برأسه إلى الأسفل قليلاً لكي يراقب الأفق بخوف.. وآخر يتّكئ برأسه إلى الخلف مدعيا النوم بفم مفتوح...
شعرّ بالاختناق، قرر عدم تأمل الوجوه.. التفت إلى النافذة المجاورة له... الغبار الذي ينبعث من تحت الإطار الخلفي يحجب الروئية... بيده مسح العرق عن وجهه... وتأفف.
هل هذه الطريق نهاية؟ هل يمكن أن يصل؟ بلغ منه اليأس مبلغه، فبات يتصوّر انه سيبقى على هذه الحالة إلى الأبد!
-"انا بعشأ الكلمة اللي بتئولها وبعشأ ضحكتك"
ميادة تجرّب حظها عبر المذياع المهترئ! صوتها ينبعث هزيلا خليطا من الأزيز وقنواة اذاعات اخرى.. بالكاد تلتقط الكلمات... والضجيج داخل السيارة يزداد مع ازدياد السرعة، فأمامهم مرتفع يجب أن تنطلق نحوه السيارة بقوة لكي تتخطاه... و....
- هاااااي هالووووووو.... ترانزيت تعتسور مياد! (تعتسور مياد = توقّف حالاً)
انطلق الصوت عبر مكبرات صوت مع ظهور ثلاث جيبات من جنود حرس الحدود...
ودبّ الرعب بينهم!!!

كان على السائق ان يتخذ قراره في ثوانٍ، فبعض الجنود قفزوا من سياراتهم، وصوّبوا المدافع الرشاشة نحو سيارته... مأزق حقيقي، فهو يحمل داخل السيارة ما يقارب الخمسة عشر شخصًا من فلسطينيي الضفّة، ويحاول تهريبهم للعمل داخل اسرائيل! موقفه عصيب لو ثبتت عليه هذه الحقيقة! كانت السيارة ما زالت تنطلق بنفس السرعة... فقرر عدم التوقف.. حاول دفع السيارة للإسراع، لكن هذا كان فوق طاقة السيّارة مع المرتفع الذي كانت تسلكه، ومع الرصاصة التي اطلقها احد الجنود على اطارها الأمامي!
توقفت السيارة!
أحاط الجنود بها من كل ناحية.. مصوّبين مدافعهم الرشاشة الى السيارة، وقد جعلتهم محاولة الهرب يزدادون جنونا على غضبهم...
فتح احد الجنود الباب الخلفي للسيارة، القى نظرة ازراء، انكمش وجهه في تقزز، وهو يأمر الجميع بالخروج!
سيمارس ما اعتاده دوما في اهانة وتعذيب الفلسطينيين...

يتبع

الخميس، 1 سبتمبر 2011

شدّ عضلّ

لم استطع التزام الصمت آزاء كل ما يحدث هنا، فقررت التخلّي للحظة عن رغبتي بالصمت، والشعور اللذيذ بالفم المغلق الذي تلتصق جميع ارجائة بعضها ببعض كأنني ابتلعت عبوّة صمغ قبل اغلاقة! قررت أن أفتح فمي، قررت أن اسمح لنفسي بالحديث... فالصمت ليس ذهبا دائما، فإذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، لكن هناك كلام من الماس، لا يجب حبسه في فم مغلق، لمجرد الاستمتاع بشعور دفئ الفم..
قررت أن أفتح فمي لأنني لم أعد قادرا على السكوت! لم اعد أستحلي دور المشاهد الصامت، الذي تمارس عيناه دور المتابع، أو الباكي.. وانتظار ما يقرره المخرج في نهاية الفيلم.... لهذا، وبعد جهد فتحت فمي وقلت: اسماعيل! خليك ساكت أحسن!