الأربعاء، 13 يونيو 2012

هوَ!


أذهلها ردّه..
شعرت بأن الأرض تدور من تحتها، لم تعد ترى إلاّ غمامًا... مدّت ذراعيها على طولهما علّها تجد ما تتكئ عليه! لم تجد، غرست ركبتيها في رمال الصحراء واتكأت على كفيها غير شاعرة بحرّ  التراب الذي الهبته شمس الصحراء.
"أصبري!"                  
هذا كل ما استطاع "فارسها" المغوار أن يقوله لها! كانت تتصوّر ردود فعله عندما تخبره أنها تتعرض لمضايقات من شيخ القبيلة الذي يريدها زوجةً رابعة! كان ابسط ردّ تصوّرته هو ان يتوجّه إلى  الشيخ ليشرح له الموقف ويبيّن له انها خطيبته! ناهيك عن الردود الأكثر رجولة وعنفوانا!
يطالبها بالصبر، والتخلّي عن حبّه، والارتماء في حضن الشيخ. ابلغ به الجُبن هذا المبلغ؟!
"نصبروا يا عيني...
يا عيني ولا تعاندي مولاي ...
ولا تشقّيني"*
رفعت رأسها، رأت وجهه عابسا، أحقّا هذا الوجه الذي طالما عانقته؟ أهذا هو الوجه الذي لم تشعر بالاطمئنان الا برؤيته! إنه يرعبها الآن، يشعرها برغبة عارمة في التقيؤ، إنها تود أن تبصق فيه.
 لقد فعلت من أجله كل شيء يمكن فعله. ليرد لها الجميل بمنتهى الجبن ! "أصبري هو قضاؤنا"...
تحاملت، بصعوبة تمكنت من الوقوف، أدارت له ظهرها، وسارت متمايلة، متهالكة، باتجاه مضارب القبيلة. لا تدري ما القضاء الذي ينتظرها هناك!
ولما ابتعدت التفتت إلى الخلف، كان واقفا كما هو، تمثال من رخام يستقرّ وسط الصحراء، عاجز كآلهة قريش..
ردّدت:
" نصبروا يا عيني...
يا عيني ولا تعاندي مولاي ...
ولا تشقّيني واجب علينا"
وتابعت مسيرها حتى اختفت وسط الخيام!
----
* الاشعار من التراث الليبي.

هي!


كانت تمرّ بجواره كلّ يوم تقريبًا؛ يحدجها بنظرة سريعة، ثم يعيد النظر إلى الأرض ساهمًا. تلتقي برفاقها عند طرف المتنزّه، يجلسون في حلقة وتدور الأحاديث، التي لا يسمع منها إلاّ الضحكات. تمنّى لو شارك في واحدة من هذه الجّلسات، ولكن كيف وهو عامل النظافة في المتنزّه وهم من الروّاد الرّاقين! كان يميّز ضحكتها. حتى صوتها وسط ضجيج أصواتهم كان يلفته. ماذا يفعل بقلبه الذي تعلق بها وهي لا تراه إلاّ أيقونة ملقاة بطرف طريق مرورها.
إكتفى بالنظر إليها، والحلم.
كان يشعر برقة ورهافة مشاعرها. فهو، وخلال ممارسته التنظيف، كان يمرّ بجوارهم ويختلس النظرات إليها. إنها حساسة، جريحة… هو يعرف هذا، يشعر به، ذكاؤه ليس بسيطاً، تضحك طويلاً وعاليًا، لكنّ نغمة ألم تداعب أحبال صوتها، لتشي الضحكة بخبايا قلب جريح. عرف عنها الكثير، فلا تفوته عنها معلومة إلا ويختزنها عقله، أو قلبه.
رثّ الملابس يمرّ إلى جوارهم لا يلفت انتباها، يتقطّع قلبه مع كلّ مرور، لكنّ اللذة التي في الوجع تُغريه!
لا بدّ أنّ رائحته هي الشيء الوحيد الذي يلفتهم!
كانت تناديه أحيانا وقد جمعت القمامة التي خلّفتها جلستُهم، لتريحه -شفقةً عليه- وتناوله كيسا مليئا بالقمامة. يضعه في السّطل شاكرا لها لطفها مُتمنيًا لو أنّ كلّ رواد المتنزّه بهذا الرقيّ. تتبسّم له وتطبطب على كتفه.
كان يتكرّر المشهد كثيرًا. حبّه لها، أو إعجابه بها، يخنقه، لا بدّ أن يبوح به، لكنه متردّد! كيف يُهينها هذه الإهانة! كيف يخبرها أنه هو عامل النظافة، رثّ الملابس، بشع الطلعة، مُعجب بها! لو صفعها أمام سكان الأرض وسبّها أهون عليها من إهانة كهذه، لكنه يختنق، يختنق، يختنق!
قرّر ترك العمل! سيموت جوعا خيرًا له من أن يموت كمدًا.. ترك المتنزّه، ورحل!
ترى هل سيلفتها غيابه؟ هل يحتلّ ولو خلية واحدة من خلايا ذاكرتها! تلك الأسئلة القاتلة التي لا يمكن أن تطرحها ولا يمكن أن تستنتج إجابتها، تقتله!
سيصارحها، مهما كلفه الأمر من عناء وألم، سيصارحها بحبّه أو بإعجابه، وهو يعلم النتيجة جيدًا! خطوة مجنونة قرّر الإقدام عليها…
ذهب إلى المتنزّه، في وقت جلوسهم، تقدّم إليهم، ناداها باسمها، تعجّبت، لكنها لبّت نداءه، وقفت إلى جواره. تردّد. تصبّب العرق على وجهه، ارتجفت شفتاه، وهي تنظر إليه باستغراب، قال: لا أعرف كيف سأقول لك هذا.. أنا…
أخرجتْ من جيبها قطعة نقدية، وضعتها في يده وقالت: لا يهم، كلنا يمرّ بهذه الظروف، وتركته وعادت إلى مجلسها.

السبت، 14 يناير 2012

الربيع الاسماعيلي!


كأحجار الدينمو تساقطوا.. عارا يجرّ عار،
وأوراق التوت تنفلت منهم...
باتوا عراة يحاولون التحاف شرف الآخر.. 
لكن هيهات لهم... ما بعد النفاق عار
وان كانوا بعينك كبار، فاليوم في عيني أصبحوا أصفار.

الخميس، 5 يناير 2012

حط عنوان من عندك

 أمريكي... أمرييييييكي... انت كل الوقت مفكره بنآدم بقولك أمريكي.. يعني إذا طاح من الطابق العاشر ما بيصير فيه شي، ولو ألف واحد بيطخّوا عليه ما حد بيصيبه، وإذا هو طخ، بيمد الفرد لورا وهو بيجري بيصيب الهدف بين عيونه... أ م ر ي ك ي... ودايما هو الخير، وفي عدو.. دايما العدو بيكون خرّب الدنيا لولا تدخل الامريكي.. المسلم عدو، الياباني عدو.. الأبصر ايش عدو.. حتى لما خلصوا شعوب الأرض صار يجيهم اعداء من كواكب ثانية... بقول لك امريكي، وانت مفكره بنآدم؟؟

الأربعاء، 4 يناير 2012

نكشة راس


كان بيشتغل في تل ابيب... روّح على "بيتهم" .. مش معقول! ما في بيت! في ركام... نفس المكان! نفس التلّة.. بس ما في بيت.. إنهار.. قعد على ركبته.. فرك عيونه! هو نفس المكان! هو.. بس؟! ايش صار؟! 
وين البيت؟ معقول!؟ معقول تاه في الطريق؟! بس لا نفس الطريق! 
"يا ترى تغيرت أنا؟! ولا "المنهال*" عدّى وغير حيّنا!!!!"
--------------------------------------
المنهال: دائرة أراضي اسرائيل!!

الثلاثاء، 3 يناير 2012

صرخة صمْت


إسماعيل ابراهيم - رهط
منذ مدّة لم تغمر الابتسامة وجهه كما الآن، كان يرى أن حلمه أكبر من أن يتحقّق، أو أن الشعور الذي يرافق كلّ حلم، كان يرافق حلمه أيضًا... الخوف، وأحيانًا التشائم. إمتلاك بيت صغير له، وله وحده، بعيدًا عن تلك الغرفة الصغيرة، في بيت والديه، التي عاش فيها سنوات زواجه الأولى وانجب فيها ابنيه..
الحلم كالطفل، نحيطه بحنان وحبّ، نخاف فقدانه، نحميه، ندفع اليه بدماء شراييننا لكي يبقى ويكبر.
هو،تأبّط حلمه هذا وسعى في سبيله سنين طوال، فالحلم، إن لم يكن ضربا من الخيال الجامح، متى سُقي بماء الإرادة والاجتهاد، ينمو ويترعرع، ويكبر حتى يوْلَد واقعاً...
البرد قارس، الريح تشتدّ، لكنه مع هذا، وقف أما البت في العراء، يتأمّل حلمه الذي تحقق. ابتسامته تملأ وجهه وهو لا يدري. إلى جواره ابنيه وزوجه، يتأملون الحلم... الحلم الذي كاد أن يُكسر في مراحل الجفاف المادّي، واليأس الذي لحق به عدّة مرات، لولا دعم زوجه له وتشجيعها، واشعالها فتيل الحلم من جديد كل إنكسار.
مساحة كبيرة من العراء، رمال الصحراء ووسطها، كالواحة تماما، يجثم بيت بناه بقطرات عرق وسنين شباب، وحديقة زرعتها زوجه بالحُب والحلم..
عمل حارسا في احدى المنشآت، وكلّما تحرّش به البرد، قال لنفسه سأقهر هذا البرد ببيت دافئ.. كان عملا مقيتا، لا يفعل فيه سوى الجلوس على كرسيّ طوال الليل يراقب الساعة، ويراقب محيط المنشأة، ويكافح برد الشتاء القارس، وإن أمطرت السماء، فلسوء حظة سيحظى بحمّام إجباريّ قاتل! والأجر الذي يتقاضاه لا يتوائم والعذاب الذي يعانيه، لكنه أصرّ على الاستمرار فكل قرش يدّخره هو لبنة جديدة في بيته، هو خطوة كبيرة في حلمه.
طُرد من العمل ذات مساء لأن نفسه سوّلت له اشعال نار صغيره يدفئ بها جسده الذي نخر البرد عظامه، وهذا مخالف لتعاليم العمل في المنشأة. بحث عن عمل والإنكسار والاحباط يقتلانه، وجد عملا في مصنع تصنيع الحديد ووافق! وكان أيضا عملا قاهراً هو أقرب للعبودية، والأجر كالعادة لا يتناسب مع الجهد..فاضطر للعمل ورديتين متتاليتين! ثلثي تهاره كان يعارك قضبان الحديد طول الوقت، يجب عليه ان يحافظ على القضبان متراصّة، ويمنع أي اختلاط وتشابك بينها.. وكان الحديد أحيانا يصله حارّا خطِرا.. وقد حذّره المسؤولون : "احيانا يكون قضيبا مضغوطا فينفلت ويكون كالرمح، فكن حذرا لأنه قاتل!"...
يعود كل مساء لتستقبله زوجه، بألم! فهي ترى أن القدَر يخطّ في وجه هذا الشاب تجاعيد لم يحن أوانها، فلا يكاد يجلس معها وابنائه ساعة حتى يغفو في منتصف الحديث.. لينام سويعات يتابع بعدها العمل، ومعاركة الحديد.
قررَت أن تثنيه عن حلمه.. إكتفت بالغرفة والحصار البيتي الخانق! لكنه علِم أن هذا تعاطف وشفقة، فاستمر وهو يهدئها بقولة: " سأتعب الآن فأنا شابّ، عندما نستقر في بيتنا سأختار عملا عاديّا، ونرتاح ونعيش كباقي الناس."
هذه الذكريات الآن، وهو أمام بيته تجعله يشعر بالنشوة والفخر، وكلما تذكّر موقف من مواقف زوجه، ضمها إلى جانبه اكثر ورماها بابتسامة حب وعرفان.
قالت له: لقد تأخر الوقت، أم أنك اعتدْت عدم النوم... الأولاد سينامون وقوفا من شدة النعس"
ابتسم، وشدّها ناحية البيت وقال:  هيا.. سننام...
دخلوا البيت، ذهب الأولاد للنوم، ومن بعيد.. سمع صوت ضجيج، ذهب للنافذة.. ونظر!
كانت بلدوزرات حكومية معززة برجال الشرطة قادمة إلى بيته... 

الأربعاء، 9 نوفمبر 2011

رايحين مشوار

كئيبة هي تلك السيّارة، رائحة عطِنة تهاجمك عند فتح بابها، كان يجلس في مقعد خلفي، مقطّب الجبين، عابس القسمات، ينظر بعينين فارغتين إلى الطريق عبر النافذة الأمامية، طريق رمليّة، مليئة بالكثبان، والشقوق... يتمايل جسده كأنه في نشوة طرب، إلا ان التمايل لم يكن بفعل أغنية... رغم كل هذا فالسيارة لم تكتفِ بهذا البؤس بل زادته باضوضاء وصوت لابمحرّك الذي تسمعه وكأن المحرك أخرج من مكانه ووُضع بالداخل مع الركّاب البائسين..
السائق، الذي اعتاد هذه الرحلة، لا تبدو عليه إمارات حزن أو بؤس، هو فقط يراقب الطريق ويعالج ذراع السرعة، وبين الفينة والأخرى يراقب الأفق، خوفا من جنود قد يتواجدون هناك!
- "واسألها انت وحلفها، على طول حتئولّك هيَّ"
ينطلق صوت فايزة احمد بائساً متذبذا، عبر المذياع شبه المهترئ، يحاول اختراق جدران الضجيج والوصول إلى آذان راكبي السيّارة البائسين... يقرافق الأغنية ازيز المذياع المزعج، واحيانا يقاطعه صوت أجهزة اتصالات أو اذاعات أخرى...
الحرّ خانق داخل السيّارة... والراكبون متراصّون، تختلط رائحة عرقهم برائحة الغبار المتسرّب إلى الداخل من الفتحات التي لا تخلوا منها السيّارة! لو فتحوا النوافذ سعيا وراء تلطيف الجوّ ستجتاحهم عواصف الرمال التي تطارد السيارة، وتتراقص حولها... ما زالت الطريق في بدايتها، والبؤس سيّد الموقف...
راح يتأمل الوجوه حوله، لا يعرف احدًا.. احدهم يعض على سبّابته جاحظ العينين ينحني برأسه إلى الأسفل قليلاً لكي يراقب الأفق بخوف.. وآخر يتّكئ برأسه إلى الخلف مدعيا النوم بفم مفتوح...
شعرّ بالاختناق، قرر عدم تأمل الوجوه.. التفت إلى النافذة المجاورة له... الغبار الذي ينبعث من تحت الإطار الخلفي يحجب الروئية... بيده مسح العرق عن وجهه... وتأفف.
هل هذه الطريق نهاية؟ هل يمكن أن يصل؟ بلغ منه اليأس مبلغه، فبات يتصوّر انه سيبقى على هذه الحالة إلى الأبد!
-"انا بعشأ الكلمة اللي بتئولها وبعشأ ضحكتك"
ميادة تجرّب حظها عبر المذياع المهترئ! صوتها ينبعث هزيلا خليطا من الأزيز وقنواة اذاعات اخرى.. بالكاد تلتقط الكلمات... والضجيج داخل السيارة يزداد مع ازدياد السرعة، فأمامهم مرتفع يجب أن تنطلق نحوه السيارة بقوة لكي تتخطاه... و....
- هاااااي هالووووووو.... ترانزيت تعتسور مياد! (تعتسور مياد = توقّف حالاً)
انطلق الصوت عبر مكبرات صوت مع ظهور ثلاث جيبات من جنود حرس الحدود...
ودبّ الرعب بينهم!!!

كان على السائق ان يتخذ قراره في ثوانٍ، فبعض الجنود قفزوا من سياراتهم، وصوّبوا المدافع الرشاشة نحو سيارته... مأزق حقيقي، فهو يحمل داخل السيارة ما يقارب الخمسة عشر شخصًا من فلسطينيي الضفّة، ويحاول تهريبهم للعمل داخل اسرائيل! موقفه عصيب لو ثبتت عليه هذه الحقيقة! كانت السيارة ما زالت تنطلق بنفس السرعة... فقرر عدم التوقف.. حاول دفع السيارة للإسراع، لكن هذا كان فوق طاقة السيّارة مع المرتفع الذي كانت تسلكه، ومع الرصاصة التي اطلقها احد الجنود على اطارها الأمامي!
توقفت السيارة!
أحاط الجنود بها من كل ناحية.. مصوّبين مدافعهم الرشاشة الى السيارة، وقد جعلتهم محاولة الهرب يزدادون جنونا على غضبهم...
فتح احد الجنود الباب الخلفي للسيارة، القى نظرة ازراء، انكمش وجهه في تقزز، وهو يأمر الجميع بالخروج!
سيمارس ما اعتاده دوما في اهانة وتعذيب الفلسطينيين...

يتبع